يكتب سايد ماركوس تينوريو عن الوضع الراهن في القدس، مسلطًا الضوء على الدور المحوري للمدينة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خاصة خلال اليوم الأخير من شهر رمضان المبارك الذي يحتفل فيه ملايين المسلمين حول العالم باليوم العالمي للقدس.
ينشر موقع ميدل إيست مونيتور هذا المقال الذي يؤكد أن هذا اليوم لا يمثل مجرد تعبير رمزي عن التضامن مع فلسطين، بل يعكس أهمية القدس التاريخية والسياسية والحضارية في الصراع المستمر حول القضية الفلسطينية.
التاريخ العربي والإسلامي للقدس
أسست القدس قبل نحو خمسة آلاف عام، وسيطر عليها شعوب متعددة خلال تاريخها الطويل، إلا أن الوجود العربي والإسلامي ترك بصمة عميقة على المدينة. منذ القرن السابع، احتفظت القدس بالإدارة العربية والإسلامية لأكثر من اثني عشر قرنًا، باستثناء فترة الصليبيين، وكانت مساحة للتعايش الديني بين المسلمين والمسيحيين واليهود.
تتناقض هذه الحقائق التاريخية مع الرواية الأيديولوجية للحركة الصهيونية الحديثة، التي نشأت في أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا، وحوّلت التفسيرات الدينية إلى أساس سياسي لمشروع استعمار الأراضي الفلسطينية، مدعية أن القدس كانت عاصمة لمملكة موحدة تحت حكم داود وسليمان، وهو ما استخدم لتبرير إقامة دولة يهودية على أراضي فلسطين.
يرى المؤرخون مثل إسرائيل فينكلشتاين ونيل آشر سيلبرمان أن العديد من الروايات التوراتية كُتبت بعد قرون من الأحداث التي تصفها ولا تتوافق مع الأدلة الأثرية المتوفرة. ومع ذلك، يظل هذا الأسطورة التوراتية أداة سياسية لتبرير الاحتلال والتحولات الديموغرافية في المدينة.
القدس مركز الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948، أصبحت القدس واحدة من نقاط التوتر الرئيسية في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. يعتبر القانون الدولي القدس الشرقية أرضًا محتلة، وتؤكد العديد من قرارات الأمم المتحدة عدم شرعية الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير وضع المدينة.
على الرغم من ذلك، كثفت الحكومة الإسرائيلية سياساتها بهدف تغيير الطابع الديموغرافي والسياسي للقدس، بما في ذلك توسيع المستوطنات غير القانونية، وهدم المنازل الفلسطينية، وتهجير العائلات من الأحياء التاريخية، وتقييد حرية العبادة والتنقل للفلسطينيين. تسعى هذه السياسات إلى تحويل القدس إلى عاصمة حصرية للدولة الإسرائيلية، معترفة صراحة بانتهاك القانون الدولي.
وفي السنوات الأخيرة، اتخذت الأمور منحى أكثر خطورة، حيث دعا بعض المتطرفين المرتبطين بالمستوطنين الإسرائيليين إلى تدمير المسجد الأقصى وقبة الصخرة لبناء "الهيكل الثالث"، وهو خطاب كان هامشيًا في الماضي لكنه أصبح يكتسب تأثيرًا داخل قطاعات السياسة الإسرائيلية والمنظمات التي تعمل ضمن الحرم القدسي، غالبًا تحت حماية قوات الاحتلال.
البعد الديني والسياسي للقدس
يمثل أي تهديد للمسجد الأقصى أو قبة الصخرة استفزازًا هائلًا على المستوى الديني والعالمي. فالمسجد الأقصى ثالث أقدس موقع في الإسلام ويحمل رمزية روحية لملياري مسلم حول العالم. أي محاولة لتغيير أو تدمير هذا التراث الديني سيكون لها تداعيات تتجاوز حدود فلسطين، لتشمل الساحة الإقليمية والدولية.
تجتمع في القدس أبعاد الصراع المختلفة: دينية، تاريخية، سياسية وجيوسياسية. بالنسبة للشعب الفلسطيني، لا يقتصر الدفاع عن المدينة على الرمزية فحسب، بل يتعلق بالحفاظ على وجودهم التاريخي، إذ تمثل المدينة ذاكرة جماعية لمجتمع عانى عقودًا من الاحتلال العسكري والاستيطان وسياسات التهجير المنظم.
أصبح اليوم العالمي للقدس رمزًا قويًا للتعبئة الدولية، حيث شهدت العقود الأخيرة احتجاجات عالمية دفاعًا عن المدينة والمسجد الأقصى، شاركت فيها حركات اجتماعية ومنظمات دينية وناشطون حقوقيون. يبرز هذا اليوم البعد العالمي للقضية الفلسطينية، ويذكّر المجتمع الدولي بأن القدس ليست مجرد نزاع إقليمي، بل قضية تمس مبادئ القانون الدولي، بما في ذلك حق الشعوب في تقرير مصيرها وحماية الأماكن المقدسة لجميع الأديان.
توضح التجربة التاريخية أن الاحتلالات الاستعمارية نادرًا ما تدوم، وأن شعوبًا عديدة نالت استقلالها بعد عقود من الهيمنة الأجنبية. ويعكس استمرار المقاومة الفلسطينية رغم الفارق العسكري الضخم نفس الديناميكية التاريخية، حيث تظل القدس القلب السياسي والروحي والرمزي لفلسطين، ومركزًا دائمًا للقضية الفلسطينية على الساحة الدولية.
https://www.middleeastmonitor.com/20260313-jerusalem-at-the-epicentre-of-the-middle-east-crisis/

